المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : .الذبح



جاسر
08-27-2010, 12:57 PM
أعدً هذا البحث ليستفيد منه القارئ وأهديه كصدقة علمية جارية لروح والداي الحبيبين رحمهم الله رحمة واسعة وأدخلهما فسيح جناته. * مقدمة:
ينبغي أن نعلم أن تذكية لحوم الحيوانات المشروع لنا تناولها هو قبل كل شيء أمر تعبدي لله, و ينبغي أن نأتي به علي الصفة التي أمر بها الله و بينها رسول الله صلي الله عليه و سلم, علمنا الحكمة من ذلك أم لم نعلمها, و مهما تكلمنا عن الفوائد الصحية للتذكية بطريقة معينة كالذبح مثلا فلن نصل أبدا إلي منتهي مراد الله من هذه الطريقة أو تلك, و لذا فالمؤمن فقط الواثق بأن في أوامر ربه الكمال المطلق هو الذي ينفذ أوامر ربه طاعة لله و عبودية, و ليس سعيا إلي مصلحة معينة صحية كانت أو غيرها, فالآخرة عنده أهم من الدنيا.
وقد اعتمدت الشريعة الإسلامية طريقتين لتذكية لحوم الحيوانات المشروع أكلها (الصيد) و(الذبح)، وعلى هذا الأساس فلو فقد الحيوان حياته بغير هاتين الطريقتين صار ميتة محرمة الأكل ونجسة، وقد يسمى في الفقه بأنه (غير مذكى)، في حين يقال للحيوان الذي مات صيداً أو ذبحاً بأنه (مذكى). و سوف نركز بإذن الله في هذا البحث علي بيان بعض الحكم التشريعية في التذكية بالذبح.
* الذبح الحلال:
هي طريقة الذبح الإسلامية, والتي تجب على كل ذبيحة لتصبح صالحة أو محللة للأكل حسب الشريعة الإسلامية. و تعني كلمة حلال بالعربية الشيء المباح و عكسها حرام. وتوجد كلمة مماثلة لها هي كوشير بالعبرية والتي يستخدمها اليهود للدلالة على الطعام المطابق لقواعد الديانة اليهودية و عادة تدل على اللحوم.

* شروط و طريقة الذبح الحلال في الإسلام:
توجد بعض الاختلافات البسيطة بين المذاهب الإسلامية حول الطريقة لكن الأسس الرئيسية للذبح متفق عليها لدى جميع المسلمين.

1. يجب أولا التسمية عليها قبل الذبح (أي ذكر اسم الله عليها ) وهذا واجب شـرعي لقوله تعالى (ولا تأكلوا ممَا لم يُذكرْ اسم’ اللهِ عليه) 121الأنعام.
2. أهلية الذابح ويمكن أن يكون رجل أو امرأة
3. توجيه رأس الذبيحة باتجاه قبلة المسلمين مكة
4. الذبح بسكين حادة, مع الإسراع في الذبح
5. قطع الحلقوم والمريء و الودجين اللذين يقعان في عنق الحيوان من جهة الحلقوم, وبهذه الطريقة تعطي فرصـة للدم كي ينساب خارجـاً وبذلك يمكن الحصول على لحم صحي وطاهر.
6. عدم المبالغة في القطع حتى يبلغ الذابح النخاع أو يبين رأس الذبيحة حال ذبحها وكذا بعد الذبح قبل أن تبرد وكذا سلخها قبل أن تبرد لما في كل ذلك من زيادة إيلام لا حاجة إليه.
* الفروق الجوهرية بين الذبح الإسلامي الحلال و غير الإسلامي:
مصطلح ذبح (ZABH) بشكل عام يمكن وصفه بأنه الوسيلة الإنسانية والصحية لقتل الحيوانات من أجل الغذاء وهي في مضمونها العام تختلف عن وسيلة الذبح الإسلامي وشروط تحقيقها للأهلية.
فوسيلة الذبح الحلال (ZABH Halal) هي طريقة إنسانية ، نزف دموي شبه كامل ودون الم ينتج عنها نوعية عالية من اللحوم ذات مذاق حسن, وهي أمر الهي محدد الآلية والأسلوب وليس من اختراع البشر, فالذبح المرفق بذكر اسم الله عند الذبح هو ذبح إسلامي.
وتقابل كلمة ذبح لغويا باللغة الانجليزية كلمة (slaughter), خلافا للذبح الإسلامي، التي هي معرَفة جيدا بأنها أسلوب محدد بأمر الهي، وهي طريقة ذات قواعد ولوائح واجبة الإتباع أي حسب الشريعة.
وقد أبيح الذبح في الإسلام بنص رباني و لم يكن اجتهادا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بل كان وما يزال وحيا يتلي إلى يوم القيامة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ) 3 المائدة.
وتعني ذكيتم أي ذبحتم, و المقصد من وصف ذبح الحيوان بالطريقة التي بينتها السنة النبوية بالتذكية, أي التطييب من الدم الذي يفسد اللحم ويلوثه بالميكروبات والجراثيم الضارة والفاتكة بالإنسان, فالذبح الإسلامي ليس من ابتكار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما يدعي المتباكين على حقوق الحيوان, بل هو توجيه من الله تعالى إلى الإنسانية والمؤمنين في كل عصور التوحيد. و قد أَلِفَ الغرب على تسمية طريقة الذبح الإسلامية أي التي يُذكر اسم الله فيها على الذبيحة بالطريقة المحمدية، أي: أن سيدنا محمداً ابتدعها من عبقريته الشخصية, ولو كان ذلك حقّاً لقال اذكروا اسمي على الذبيحة لا اسم الله.
و الطريقة الإسلامية تقتضي ذبح الحيوان حياً من رقبته من الوريد إلى الوريد، مما يتيح للحيوان حرية الحركة وبالتالي الإدماء الكامل. أما في الطرق غير الإسلامية للذبح فيقتل الحيوان بدون التسمية أو ذكر الله, و بطرق خاطئة كالخنق ‏‏بالغاز أو الصعق بالكهرباء أو بإطلاق الرصاص وهذه الطرق تبقي الدم في جسد ‏‏الحيوان الذي يشكل مرتعا خصبا تنمو فيه الجراثيم المختلفة وهذه الطرق تجعل ‏‏الحيوان يعاني الألم, مع بقاء نسبة عالية من الدم في الذبيحة. وهذا الدم عبارة عن وسط نموذجي مثالي لتكاثر الأحياء الدقيقة. وبالإضافة إلى ذلك عندما يتحلل هذا الدم تنتج عنه مركبات سامة في جسم الإنسان.
و من الفروق الجوهرية بين الذبح الإسلامي و غير الإسلامي, أن الذبح الإسلامي يؤدي إلي عدم الشعور بالألم و كأنه تخدير للذبيحة (Anesthesia), والتخدير هنا كما نفهمه اليوم طبيا هو عدم الشعور بالألم ، أما في الغرب فيلجأون إلي تدويخ أو إغماء الحيوان قبل ذبحه (stunning) وهي شكل من أشكال التخدير البدائية التي مورست في سنوات خلت قبل تقدم وتطور الطب وتم التخلي عنها, و هذا يؤدي إلى بقاء نسبة عالية من الدم في الذبيحة, و ذلك لفقدانه القدرة علي الحركة العضلية و بالتالي تسبب احتقان الجسم بالدماء, و بإذن الله سوف نبين الإعجاز في هذه النقطة لاحقا.
أيضا من الفروق الجوهرية بين الذبح الإسلامي و غير الإسلامي أن أعلب النصوص الإسلامية تشير إلي عدم قطع رقبة الذبيحة (نخعها), مما يحافظ علي حركة العضلات بعد الذبح و يساعد علي التخلص من أكبر قدر ممكن من الدم, أما في بعض دول الغرب فقد يلجأون إلي قطع رقبة الذبيحة بسرعة خاطفة مما يؤدى إلي توقفها سريعا عن الحركة و احتباس الدم في أعضائها.

* الهدف من البحث:
1. بيان الإعجاز العلمي في موافقة الذبح الإسلامي للمتطلبات الفسيولوجية و التشريحية لتنقية اللحوم من الدم.
2. من الطرق المتَّبعة في بعض الدول غير الإسلامية قطع النخاع من خلال قطع الرقبة لضمان ثبات سريع للحيوان, مما يؤدي إلي احتقان الذبيحة بالدماء, فأردت أن أبين للغرب أنهم أخطأوا في ذلك لأنهم خالفوا الهدي الإسلامي في الذبح الحلال. كما أن هناك خلاف فقهي حول جواز قطع رقبة الذبيحة من عدمه, فقال كثير من الفقهاء بوجوب عدم المبالغة في الذبح حتى يبلغ الذابح النخاع أو يفصل رأس الذبيحة, و البعض الآخر قال بجواز ذلك لكون الذابح قد أتي بشروط الذبح من قطع الأوداج و الحلقوم و المريء, و ما زاد علي ذلك فلا يفسد الذبح أو الذبيحة لكونه مبالغة في فعل الذبح. و لذا فقد أحببت أن أبين الحق في هذه المسألة من الناحية العلمية و الفقهية, لأؤكد علي أن العلم إذا صح فلا يعارض الشرع في شيء.
3. ظن الغرب أن في الذبح الإسلامي نوع من الألم لكون الذبيحة تتحرك بعد الذبح, فلجأوا إلي تخدير الحيوان المراد ذبحه قبل الذبح بطرق عديدة بعضها قد يقتل الحيوان قبل ذبحه أو يشل حركته فتحتبس الدماء في أعضائه, و لذا فقد أردت أن أبين أن الذبح الإسلامي يعتبر بمثابة تخدير عام للذبيحة مع الحفاظ علي حركة الذبيحة مما يسهل التخلص من الدماء.

* المبادئ الاسلامية الأساسية في عملية الذبح:
وضع الإسلام منذ أربعة عشر قرنا من الزمان مبدأين أساسيين فيما يتعلق بعملية الذبح والأكل:
المبدأ الأول: يتعلق بصحة الإنسان من خلال تخليص الذبيحة من أكبر قدر ممكن من الدماء
قال تعالي (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) 3 المائدة, و قال تعالى (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)173 البقرة, فحرم علي الإنسان كل لحم من شأنه أن يؤدي إلي الضرر بصحة الإنسان, و فرض عليه تذكية الحيوان المشروع أكله أي ذبحه للتخلص من دمائه.
المبدأ الثاني:
يتعلق بالإنسانية والرفق بالحيوان في سياق قتل الحيوان (الذبح حسب الشريعة) من أجل التغذي على لحومها, و ذلك من خلال التسمية علي الذبيحة, و تخديرها بالذبح الإسلامي,

قال تعالى (ولا تأكلوا ممَا لم يُذكرْ اسم’ اللهِ عليه) 121 الأنعام, وسيرد التفصيل العلمي لاحقا لبيان أهمية التسمية في سكون الحيوان عند الذبح ونوعية اللحوم الناتجة, و قال صلي الله عليه و سلم (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته) رواه مسلم.
هذين المبدأين نعمة من الله تعالى على المسلمين وعلى الحيوانات قررها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا من الزمان للمحافظة على صحة الإنسان ثم الرأفة بالحيوان (ومـا كـان هـذا القـرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصـديق الذي بين يديه وتفصـيل الكتـاب لا ريب فيه من رب العالمين [ يـونس (37).

* ملاحظات علي المبادئ الاسلامية الأساسية في عملية الذبح:
يجب أن نتيقن أن الطريقة الوحيدة لتنقية اللحوم من الدماء و تزكيتها هي الذبح الإسلامي, و كل ما عدا ذلك من موت الحيوان بطريق الخطأ أو أن يقتل بأي من الحوادث المذكورة أعلاه أو بطرق الذبح غير المشروعة من وسائل القتل المتبعة حاليا حتى لو غلفت ( بنص قانوني), (ما لم يكن قد ذبح قبل أن يموت وحسب الشريعة), فهي كلها من جهة تنقية لحوم الحيوانات من الدم الملوث هي وسائل مرفوضة علميا بنص القران الكريم, مع ملاحظة الآتي:
1- تتم تنقية لحوم الحيوانات المذبوحة بالتخلص تماما من الجزء الأكبر من الدم غير الصافي أو الملوث من خلال النزف بعد الذبح الصحيح وليس النزف حتى الموت الناتج عن طرق الذبح غير المشروعة والتي تشكل ألما كبيرا للحيوان أو الطير المذبوح.
2- جميع طرق الذبح غير المشروعة باستخدام أي من طرق القتل أو التخدير المتبعة يكون حكمها بالشريعة حكم الوفاة من الإصابات الناجمة عن الحوادث أي حكم "الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به و المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة".
3- جاءت تعبيرات القران الكريم بوصف الحال (adverb) وليس بوصف الفعل (verb) أي " الميتة , المنخنقة , الموقوذة , المتردية , النطيحة" بدلا من أمات , خنق ..الخ ولم يكن من الصعب على العلي القدير اختيار التعبيرات والمصطلحات المناسبة وتشكيلها للدلالة على المعنى المقصود فوصف الحال دلالة على أن الموت قد سبق النزف فهو داخلي ولم يتخلص منه الجسم أو أنه نزف حتى الموت ففيه الألم الكبير للحيوان . وفي كلتا الحالين , فلا تحققت صحة الإنسان ولا تمت الرأفة بالحيوان.
* المتطلبات الفسيولوجية والتشريحية لتنقية اللحوم من دمها:
إذا كان الهدف هو التخلص من الجزء الأكبر من دم الذبيحة فمن المعروف أن هذا الدم يسير في دائرة مغلقة في الجسم هي الدورة الدموية, وحتى يتم التخلص منه لا بد إذا من قطع الأوردة والشرايين لكي يسمح للدم بالخروج. ولهذا فانتشار تلك الأوردة وخصوصا القريب منها من سطح الجلد هي ضرورة أكيدة وأساسية لعملية النزف. ومن هنا فكبر حجم الأوردة الممكن قطعها وزيادة عددها تعني بالضرورة الكمية الكبرى من الدم الممكن التخلص منها في جسم الحيوان. ومن الواضح أنه من الناحية التشريحية للجسم Anatomically فان هذه الأوردة المطلوبة تتركز في العنق أو الرقبة حيث يوجد الوريد الودجي (Jagular veins), و الشريان السباتي (Carotid arteries) الملاصق للوريد الودجي, وكذلك الحلقوم والمريء فتقع جميعها قريبة من سطح الجلد.
كذلك من المعروف علميا أنه كلما زاد مدى نبضة القلب وقوتها the heart beats كلما زادت كمية الدم المتدفقة خارجا لحظة قطع الأوردة. وبالتالي فان الحيوان الميت أو شبه الميت سوف ينزف بعض الوقت وبكمية قليلة فقط من الدم الواجب إخراجه أو التخلص منه.
من المعروف علميا أيضا أنه كلما زادت عملية التنفس في الرئتين قوة و عمقا كلما زادت عملية امتصاص ثم تدفق الدم من والى القلب من المناطق المحيطة به. كذلك فان سرعة التنفس تضمن أيضا أكسدة جيدة للأنسجة " أي دخول كمية جيدة من الأكسجين إليها" وبالتالي تمنع حدوث حالة الخمول والكسل الناتجة عن نقص الأكسجين (Prevents stagnant and anoxia) , والتي تؤثر على مستوى الحموضة في الدم (of the blood P.H) وفي الأنسجة لأهمية حموضة الدم في عملية استخراج الدم من تلك الأنسجة وبالتالي تؤثر لاحقا على نوعية اللحوم.
يمكن القول أيضا أن انقباض العضلات يؤدي إلي زيادة ضغط عضلات الجسم على الأوعية الدموية و لذلك تأثير كبير على تدفق الدم خارجا بعد عملية الذبح وحتى النقطة الأخيرة منه.
و من المهم أن نعرف أنه لا يمكن الوصول إلى تلك المعادلة وتحقيق تلك الشروط العلمية المذكورة أعلاه لضمان خروج وتخليص الجسم من الدم الفاسد والتنقية التامة إلا من خلال الأمور التالية:

1. استمرار عمل الأوردة الدموية بصورة فعالة من خلال ميكنة داخلية مركزية وفي حالة وعي لدى الحيوان أو الطير (Consciousness) أي ليس حالة موت.
2. ضمان عمل قلب طبيعي (Normal Heart)
3. ضمان عمل دورة دموية وعملية تنفس مركزية طبيعية (A normal circulatory and normal respiratory centre).
4. عدم قطع الحبل الشوكي للذبيحة (Intact spinal cord)
بقي أن نشير إلى أن الإعجاز العلمي الفسيولوجي والتشريحي لم يقتصر على ذلك فحسب, بل أن تحديد مكان الذبح وطريقة الذبح حسب الشريعة الإسلامية هما إعجازين إلهيين آخرين لهما علاقة كبيرة بكفاءة تفريغ جسم الذبيحة من الدم ففوق مكان القطع من جهة الرأس وبالقرب من الحنجرة يوجد جهاز عبارة عن غدة وتسمى البارورسيبتر (Arterial Baroreceptor ) وهي المسئولة عن ضبط ضغط الدم إلى الدماغ , فعندما يقل الضغط يرسل هذا الجهاز إلى القلب أوامر بزيادة عدد الضربات وقوتها لضخ دم أكثر في محاولة لرفع الضغط المنخفض إلى الدماغ لزيادة الدم المتدفق والمطلوب إلى الدماغ, وهذا يؤدي إلى زيادة الإشارات المرسلة أيضا من الجهاز السمبثاوي إلى الجسم عامة وينتج عنه تقلص شديد في الأوعية الدموية للجسم وتشنج لجميع عضلات الجسم وحيث أن القطع قد حدث فيفرغ الجسم كليا من الدم. من المهم جدا الإشارة هنا إلى أن (Arterial Baroreceptor ) مهمة وفعالة جدا في الفترات القصيرة ثواني أو دقائق, أكثر منها أهمية في الفترات الطويلة من حيث عملية ضبط وتنظيم ضغط الدم في الشرايين (control of mean arterial pressure (MAP) ) و الفترات القصيرة هي لحظات الذبح وتفريغ الدم أيضا. هذا من حيث مكان القطع أما طريقة القطع فلا يتم قطع رأس الذبيحة وفصلها عن الجسم مباشرة إلا بعد أن يتم تفريغ الدم وهذا يسمح للنخاع الشوكي بمواصلة عمله في توصيل وتمرير الإشارات العصبية من الدماغ إلى الجسم.
هذه هي المتطلبات الفسيولوجية والتشريحية التي قد يكون التطور العلمي اكتشفها حديثا لكن القرآن الكريم و السنة النبوية قد أشارا اليها منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ولم يكن من المقدور تفسيرها علميا.

* كيف فسر العلم الحديث عملية الذبح حسب الشريعة الإسلامية فسيولوجيا؟
أولا: الذبح الإسلامي يؤدي إلي تخدير الذبيحة و فقدان الإحساس بالألم
يدعي بعض المستشرقين أن الطريقة الإسلامية في الذبح طريقة لا إنسانية ويستدلون على ذلك بالتقلصات والاختلاجات التي يقوم بها الحيوان بعد عملية الذبح.
والحقيقة أنه عكس ذلك تماماً فإن الطريقة الإسلامية في الذبح إذا أجريت بالطريقة الصحيحة تقطع الدم والهواء فوراً عن الدماغ فيصاب الحيوان بإغماء كامل ويفقد الحس تماماً والاختلاجات التي تحدث هي عبارة عن أفعال انعكاسية لها أهمية كبيرة في تخليص الذبيحة تماماً مما بها من الدم.
و سبحان من دل حبيبه المصطفي صلي الله عليه و سلم علي أن الذبح الإسلامي فيه تخدير للذبيحة من الألم فقال صلي الله عليه و سلم (من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين), رواه أبو داود و صححه الألباني, و بالرجوع إلي معجم لسان العرب نجده يقول في تفسير ذلك الحديث (قوله صلي الله عليه و سلم بغير سكين في أحد معانيه يعني أَن الذَّبْحَ الذي يقع به راحة الذبيحة وخلاصها من الأَلم إِنما يكون بالسكين فإِذا ذُبِحَ بغير السكين كان ذبحه تعذيباً له, فضرب به المثل ليكون أَبلغَ في الحَذَرِ وأَشَدَّ في التَّوَقِّي منه), إذا فالذبح الإسلامي كما سوف نبين في هذا البحث يساعد علي تخدير الذبيحة. و قال بذلك أيضا السيوطي و غيره في شرح سنن ابن ماجه حيث قالوا (الذي يقع به راحة للذبيحة وخلاصها من الألم إنما يكون بالسكين فإذا ذبح بغير سكين كأنه ذبحه تعذيبا له فضرب به المثل ليكون ابلغ في الحذر وأشد في التوقي منه), و قال المناوي في فيض القدير (أي فقد عرض نفسه لعذاب يجد فيه ألما كألم الذبح بغير سكين في صعوبته وشدته وامتداد مدته).
فمن الذي دل الحبيب صلي الله عليه و سلم علي أن الذبح بالسكين يريح الذبيحة من الألم و أن الذبح بغير الهدي الإسلامي و بغير سكين يسبب الكثير من الألم, و ذلك في زمن لم يكن بوسع أحد أن يدرس تلك المسائل و لا توج الآلة التي يسجلون بها إشارات المخ.
تقييم الألم عند الذبح:
من المهم معرفة وتقييم الم الذبح الناتج عن عملية القطع حسب الشريعة الإلهية وبشكل علمي لمعرفة هل يعاني الحيوان ألما مع لحظة القطع ومع النزف وما مدى قوة هذا الألم على الحيوان؟ لندرك مع نهاية المناقشة مدى قدرة الخالق عز وجل ومدى رأفته ورحمته بهذا المخلوق.
1. لحظة القطع المفاجئة بسكين حادة ( وهي واجبة حسب الشريعة مع الذبح) هي لحظة غير إدراكية كما هي لحظة إحداث جرح مفاجئ مع حلق الذقن بشفرة حلاقة حادة لا يدرك الإنسان حدوثها إلا بعد لحظات من ظهور بعض الدم على الذقن وقد لا يشعر بألمها أو يحس بها إلا بعد إدراك المخ لها.
2. إن إحداث القطع السريع للودجين والحلقوم والمريء معا وبصورة مفاجئة يليه حدوث نزف سريع يقطع الدم والأكسجين عن المخ يجعل فقد الإحساس لدى الحيوان سريعا ويلغي إحساس المخ لها كما يحدث له نوعا من التخدير للألم مع بقاء نشاط وعمل المخ والقلب بصورة طبيعية لإتمام عملية النزف خارجا. ولهذا فان السكين الحادة والقطع السريع تعمل بمثابة أداة لقتل الألم اللحظي حين القطع كما هي الأدوية قاطعة الإحساس بالألم. مع ملاحظة أن شد الرقبة إلى الخلف عند القطع يساعد في القطع السريع والنزف الحاد. لهذا شرع لنا الله تعالى الذبح من الجهة الأمامية للعنق إلى الداخل وليس العكس فهي مؤلمة وبغيضة.
3. لا بد هنا من التفريق بين عدم الوعي Unconsciousness وعدم الإحساس للألم Insensitivity فالحيوان هنا مع عملية الذبح يكون كامل الوعي لكنه عديم الإحساس بالألم فالمخ والقلب نشيطان وهي من المتطلبات الفسيولوجية والتشريحية للتخلص من الدم.
4. ومن هنا ومما سبق نستنتج أنه وكما المخدر يلغي الإحساس بالألم فان القطع والنزف السريع يعمل عمل التخدير وأسميناها Anesthesia وهي حالة الوعي مع عدم الإحساس بالألم . وكما التخدير فعال في إزالة الألم عند الإنسان فان الذبح حسب الشريعة هي الطريقة المثلى المماثلة لها تماما. فهل هناك رأفة بشرية توازي الرأفة الإلهية؟ وهل يكون البشر أكثر رحمة من رب العالمين خالق الكون عز وجل؟ فلماذا القلق إذا؟.


شهادات وآراء العلماء الأوروبيين حول فقدان الألم بالذبح الإسلامي
1. شهادة الطبيب الجراح اللورد هوردر(مترجمة) Statement made by Lord Horder, G.C.V.O., M.D., F.R.C.P.
" يفقد الحيوان الوعي بالحال, من الصعب تصور أن هناك وسيلة يمكن أن تحقق موتا أكثر سرعة وبدون الم كهذه الطريقة. وخلال ثوان من القطع فان الحيوان لا يبدي نوعا من الحركة. تحدث حركات تشنجية قد تستمر لدقيقة تتوقف بعدها. وتفسير تلك الحقائق واضحة. حين يتم القطع بسكين حادة وبيد ماهرة ومع القطع مباشرة يحدث نزيف حاد يؤدي إلى انخفاض بضغط الدم ويدخل الحيوان بحالة غيبوبة وعدم وعي . أن الحركات التي تبدو على الحيوان وتبدأ بعد 90 ثانية من القطع ولتستمر 90 ثانية هي حركات تشنجية طبيعية نتيجة لانقطاع الدم ونقص الأكسجين عن المخ تدخل الحيوان في حالة غيبوبة وعدم الإحساس بالألم وتساعد في التخلص من الدم. إن التمحيص الحاسم والدقيق في طريقة الذبح هذه تتركني وبدون أدنى حالة من الشك وبيقين أنها الأقل خطرا وألما من أي طريقة ذبح أخرى يتم ممارستها حاليا".
2. شهادة الطبيب الجراح السير لوفات ايفانس ( أستاذ الفسيولوجي بجامعة لندن) (مترجمة) Statement made by Sir C. A. Lovatt Evans, D.Sc. F.R.S.
(Emeritus Professor of Physiology, London University)
"رأيي وكعالم فسيولوجي أنه يجب علي الاعتقاد أن هذه الطريقة هي الأكثر إنسانية من أي طريقة تستخدم أو قد تستحدث لهذا الغرض. وسبب الاعتقاد فيما يتعلق بهذه الطريقة بأنها عديمة الألم تستند إلى نقطتين:


1. الإحساس العام 2. المعرفة بعلم الفسيولوجي
إن الإحساس العام يقول لي لو أن هذا الحيوان يشعر بالمعاناة فلا بد من أن يرفس بالحال مع لحظة القطع لكن من يراقب ويشاهد يدرك تماما عدم المعاناة. بعد لحظة القطع للأوردة يسترخي الحيوان تماما وما هي إلا دقيقة حتى تهدأ الحركات التشنجية وتتوقف. ونعرف أن عدم الوعي يحدث مع لحظة القطع الأولى. واعتمادا على المبادئ الفسيولوجية مرة أخرى, فمن الواضح أنه مع قطع الأوردة الرئيسية بالعنق وتدفق الدم فان هبوطا حادا في ضغط الدم إلى المخ يحدث كما يفقد ضغط الدم في الأوردة الأخرى للمخ تدريجيا فيحدثان حالة غيبوبة فورية لدى الحيوان. إن من السخف الاعتقاد بشعور الحيوان بالألم ومن هنا فلا يوجد طريقة تعادل هذه الطريقة".

جاسر
08-27-2010, 12:57 PM
ثانيا: الذبح الإسلامي أفضل من تدويخ أو إغماء الحيوان قبل ذبحه (stunning) و ذلك للأسباب التالية: 1. طريقة الذبح حسب الشريعة تحدث صدمة نزفية (Hemorrhagic Shock) حيث يوجه السائل الدموي في الدورة الدموية إلى الخارج من خلال القطع الحادث والسريع للحلقوم والمريء و الودجين, أما في التدويخ أو الإغماء فيحدث العكس تماما حيث تحتقن الأوردة و الشرايين بالدماء و يقل النزف, فمثلا عند استخدام الصعق نجد أن القلب حينها ربما توقف عن العمل أو ضعف من أثر الصدمة الكهربائية والتي قد تسبب موتا سريعا للحيوان مع زيادة قوة الصدمة الكهربائية, وبالتالي فلا يكون هناك معنىً لعملية النزف ويبقى الجزء الأكبر من الدم مخزنا في الجسم دون إمكانية التخلص منه. و قد ثبت عند جميع العلماء دون استثناء أثر الدم السيئ, و لذا فقد ثار جدل كبير في الأوساط العلمية في الغرب عن الجدوى من هذه العملية (Stunning) أو كيفية تقليل الأثر السيئ لها مع الرغبة في إبقائها في حدودها الدنيا لقناعتهم في إمكانية تقليل الألم عند الذبح وتماشيا مع تطور الميكنة وزيادة الإنتاج.
إن عملية الذبح الصحيحة (الحلال) تحدث نزفا سريعا من الوهلة الأولى لعملية القطع وحتى توقف القلب عن النشاط وبالتالي فان فترة النزف تكون طويلة نسبيا مع نشاط القلب مما يتيح فرصة أكبر للتخلص من الكمية الكبرى للدم. وعكس ذلك ينتج مع إحداث الصدمة الكهربائية ففترة النزف تكون أقل مع ضعف نشاط القلب أو توقفه سريعا مع احتمال حدوث تفجر داخلي للأوردة والشرايين والشعيرات الدموية أي نزف داخلي وخروج الدم من مسار الدورة الدموية الطبيعية حيث تتسبب الصدمة في حدوث ما يسمى ب (neurogenic shock) بسبب تأثر النظام العصبي بها.
2. إن أنصار استخدام عملية تدويخ أو إغماء الحيوان قبل ذبحه (Stunning) قد افترضوا أن الألم أقل في حين أن المنطق يقول أن إحداث الإصابة بالرأس بصدمة كهربائية أو بصدمة معدنية أو بإصابة جلطة دماغية هي ليست كذلك فألمها كبير وكبير جدا!!!.
و حتي مع افتراض أن هذه العملية (Stunning) قد تحدث تخديرا للحيوان إلا أنها كما أشرنا سابقا هي طريقة تخدير بدائية وليست كالتخدير الحادث من الذبح حسب الشريعة وأسميناها Anesthesia وبالتالي فان الذبح الحلال في كل الأحوال أكثر إنسانية ورأفة بالحيوان.
و من الناحية العلمية الحكم علي عدم وجود ألم بعد التدويخ ليس بالسهل, فمثلا عند استخدام الصعق الكهربائي يحدث تشنجات مبدئية يتبعها ارتخاء كامل في عضلات الحيوان المراد ذبحه, مما يجعله غير قادر علي الحركة أو الصياح كنتيجة طبيعية للألم,مما يجعلنا نتوهم أن الحيوان عند الذبح لا يشعر بالألم, و حتى الآن الحكم علي عدم وجود ألم بعد التدويخ باستخدام الإشارات الكهربائية للمخ فقط غير كافي. و يؤكد علي حقيقة ما ذكرته تقرير منظمة الصحة العالمية عن عملية التدويخ (Stunning), و المنشور تحت عنوان التدويخ و الألم (Electrical stunning and pain), علي الرابط التالي (http://www.emro.who.int/Publications/HealthEdReligion/Slaughter/Chapter5.htm#1), و المترجم إلي العربية تحت عنوان (أحكام الذبح و الذبائح) علي الرابط التالي (http://www.emro.who.int/dsaf/dsa401.pdf), و قد تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع و تحت إشراف رابطة العالم الإسلامي بتاريخ (23 – 26 شوال 1406 = 30/6 – 3/7/1986), و تم طباعته ككتاب بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت, و قد خلص هذا التقرير في أحد بنوده الي القول بأنه ليس لدينا في الوقت الحاضر دليل قاطع للبرهان علي أن التدويخ الكهربائي يريح الذبيحة تماما, و أن هناك شواهد تؤيد احتمال زوال الألم بالتدريج).
و جاء في جزئية أخري من نفس التقرير ما نصه (عملية التدويخ لا تسبب ألم للذبيحة لحدوث غيبوبة لا شعورية بقشرة الفص الدماغي, إلا أن هذا القول لازال يعوزه الدليل العملي حيث أن أجهزة التسجيل الحالية تعجز العمل وقت حدوث الصدمة, كما أن أماكن الشعور بالألم لازالت مبهمة).
إذا فالتدويخ نظرية تعتمد علي الاحتمالات و الظنيات و لا يوجد عليها دليل صحيح, و كون رابطة العالم الإسلامي في هذا التقرير وافقت علي أن التدويخ لا يصحبه ألم فهذا أمر يحتاج إلي مراجعة و خصوصا في ظل الأبحاث الحديثة.
وهنا أثير في ضوء هذه المعلومات أهمية متابعة ما يذبح في الغرب ويصدر للعالم الإسلامي تحت اسم مذبوح " حلال " وباستخدام الصدمة الكهربائية معتمدين على هذه الفتوى فلا بد من المراجعة.

ثالثا: الذبح الإسلامي يحافظ علي النخاع الشوكي و لذلك أهمية كبيرة.

ما هو تعريف الحبل الشوكي , وبيان أهميته ووظيفته:
النخاع الشوكي هو جزء من الجهاز عصبي المركزي والذي يبدأ من قاعدة المخ ويمر خلال العمود الفقري, وهو أنبوبي الشكل ويتكون من حزمة من الأعصاب التي تعتبر امتدادا للجهاز العصبي المركزي من الدماغ ويحميها مجموعة من العظام تسمى العمود الفقري. والوظيفة الرئيسية للحبل شوكي هي نقل النبضات العصبية من وإلى المخ وتوصيلها الأعصاب الفرعية. هو عبارة عن حبل طويل من الأعصاب الشوكية يتراوح طوله حوالي 45 سم في القناة المركزية في الفقرات له دور مهم في توصيل الإشارات الكهربائية من وإلى المخ حيث يقوم بتوصيل الإشارات الكهربائية من المخ إلى العضلات.

التفسير العلمي لمنع قطع النخاع ووجه الإعجاز في بقاءه:
سبق و قلت بأنه لضمان تفريغ جسم الذبيحة من الدم فانه ينبغي أن يبقي القلب في حالة نبض بقوة, و تقوم الرئة بالوظيفة التنفسية, بالإضافة إلي تشنج العضلات, و كل هذه الوظائف لكي تستمر لوقت مناسب لتفريغ جسد الذبيحة من الدم, ينبغي ألا يتم قطع رأس الذبيحة وفصلها عن الجسم مباشرة إلا بعد أن يتم تفريغ الدم وهذا يسمح للنخاع الشوكي بمواصلة عمله في توصيل وتمرير الإشارات العصبية من الدماغ إلى الجسم, فإذا ما تعرض هذا الحبل إلى أي تشويه أو قطع فإنه يتوقف عن إيصال الأوامر لأنحاء الجسم وهو ما يسمى بالشلل، و ينتج عن ذلك نقص التفريغ الدموي من جسد الذبيحة.
اكتشف العلم أن مراكز الإحساس بالألم تتعطل إذا توقف ضخ الدماء عنها لمدة ثلاث ثوانٍ فقط، لأنها بحاجة إلى وجود الأكسجين في الدم باستمرار. إن الجهاز العصبي لا يزال حياً، وما تزال فيه حيوية، ولم يفقد منه غير وعيه فقط. وفي هذه الحالة ما دمنا لم نقطع العنق فإننا لم نعتدِ على الجهاز العصبي فتظل الحياة موجودة فيه، لكن الذي يحدث في عملية الذبح بطريقة المسلمين أن يبدأ الجهاز العصبي بإرسال إشارات من المخ إلى القلب طالباً منه إمداده بالدماء لأنها لم تصل إليه، وكأنه ينادي: لقد انقطعت عني الدماء.. أرسل إلينا دماً أيها القلب، يا عضلات ... أمدي القلب بالدماء، أيها الجسم.. أخْرِج الدماء فإن المخ في خطر، عندها تقوم العضلات بالضغط فوراً، ويحدث تحرك شديد للأحشاء والعضلات الداخلية والخارجية، فتضغط بشدة وتقذف كل ما فيها من دماء وتضخها إلى القلب، ثم يقوم القلب بدوره بالإسراع في دقاته بعد أن يمتلئ بالدماء تماماً، فيقوم بإرسالها مباشرة إلى المخ، ولكنها ـ بطبيعة الحال ـ تخرج للخارج ولا تصل إليه، فتجد الحيوان يتلوى، وإذا به يضخ الدماء باستمرار حتى يتخلص جسم هذا الحيوان تماماً من الدماء، و بذلك يتخلص جسم هذا الحيوان من أكبر بيئة خصبة لنمو الجراثيم، وأخطر مادة على الإنسان أي أن الحيوان المذبوح يفقد الحياة خلال ثلاث ثوانٍ فقط إذا ذبح بالطريقة الصحيحة، وإن ما نراه في الحيوان من رفس وتشنج وما شابه ذلك هي من مؤثرات بقاء الحياة في الجهاز العصبي، ولا يشعر الحيوان المذبوح بها على الإطلاق.

* الحكم الشرعي في قطع رقبة الذبيحة (النخع) وما هو مدى التوافق العلمي والشرعي.

اختلف العلماء في القدر الواجب قطعه عند التزكية, و قد أشار إلي ذلك فضيلة العلامة بن عثيمين في كتابه المنشور علي موقعه أحكام الأضحية و الذكاة, فقال (وسبب اختلاف العلماء فيما يشترط قطعه في الذكاة وفي كيفيته أنه ليس في النصوص الواردة ذكر ما يقطع ، وإنما فيها اعتبار إنهار الدم, وفيها أيضا تعيين الأوداج بالقطع فيما رواه أبو داود عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت، وفيما رواه ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الذبح بالليطة فقال( كل ما أفرى الأوداج إلا سناً أو ظفراً) وفيما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كل ما أفرى الأوداج ما لم يكن قرض سن أو حز ظفر)، وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة لا تقوم بها الحجة بمفردها إلا أنها تعضد بمعنى ما ثبت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفر) ، فعلق الحكم على إنهار الدم ، ومن المعلوم أن أبلغ ما يكون به الإنهار قطع الودجين . وعلى هذا فيشترط لحل الذبيحة بالزكاة قطع الودجين ، فلو ذبحها ولم يقطعهما لم تحل ، ولو قطعهما حلت وإن لم يقطع الحلقوم أو المريء . وليس في اشتراط قطع الحلقوم والمريء نص يجب المصير إليه ، قال ابن رشد في (( بداية المجتهد )) : وأما من اشترط قطع الحلقوم والمريء فليس له حجة من السماع ، وأكثر من ذلك من اشتراط المريء والحلقوم دون الودجين . اهـ . ).
و قد اجتهد بعض الفقهاء في بيان جواز قطع الرقبة حين الذبح, أي جواز قطع النخاع أو ما يسمى بالحبل الشوكي, و كان هذا الاجتهاد دون سند قوي يعتز به سواء أكان فقهيا أو علميا, و حجتهم في ذلك أن الذابح في هذه الحالة قد أتي بشروط التذكية من قطع الودجين و إراقة الدماء و ما زاد عن ذلك فلا بأس به, و من ذلك ما نقله العلامة بن عثيمين في المصدر السابق (وإن قطع الرأس مرة واحدة ؛ حلت لحصول الذكاة بذلك ، وقد روى ابن حزم من طريق ابن أبي شيبة عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن رجل ضرب عنق بعير بالسيف ، وذكر اسم الله فقطعه ، فقال علي رضي الله عنه : ذكاة وحية أي سريعة ، وقال ابن عمر وابن عباس وانس رضي الله عنهم : إذا قطع الرأس فلا بأس ، ذكره البخاري تعليقا).
و لكن هذا الرأي الفقهي لا سند له و لا يقوي علي رد قول من قال من الفقهاء بعدم جواز قطع رقبة الذبيحة حال الذبح حيث أنهم استندوا في رأيهم ذلك الي ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال (ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ألا ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق، وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال), و قطع الرقبة فيه تعجيل لزهق الأنفس, وقال ابن عباس: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبيحة أن تفرس قبل أن تموت" وعن ابن عباس: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبيحة أن تفرس يعني أن تنخع قبل أن تموت". وعن نَافِعٌ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَهَى عَنْ النَّخْعِ يَقُولُ يَقْطَعُ مَا دُونَ الْعَظْمِ ثُمَّ يَدَعُ حَتَّى تَمُوتَ", و النَّخْع بفتح النون وسكون الخاء المعجمة فسره في الخبر بأنه: قطع ما دون العظم، والنخاع عرق أبيض في فقار الظهر إلى القلب يقال له: خيط الرقبة، وقال الشافعي: النخع أن تذبح الشاة ثم يكسر قفاها من موضع المذبح، أو تضرب ليعجل قطع حركتها. وأخرج أبو عبيد في الغريب عن عمر أنه نهى عن الفرس في الذبيحة ثم حكى عن أبي عبيدة أن الفرس هو النخع، يقال فرست الشاة ونخعتها وذلك أن ينتهي بالذبح إلى النخاع وهو عظم في الرقبة، قال: ويقال أيضاً: هو الذي يكون في فقار الصلب شبيه بالمخ وهو متصل بالقفا نهى أن ينتهي بالذبح إلى ذلك قال أبو عبيد: أما النخع فهو على ما قال وأما الفرس: فيقال هو: الكسر، وإنما نهى أن تكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد ويبين ذلك أن في الحديث «ولا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق». قلت: يعني في حديث عمر المذكور وكذا ذكره الشافعي عن عمر ويكره إذا ذبحها أن يبلغ النخاع وهو العرق الأبيض الذي يكون في عظم الرقبة. والاكتفاء بقطع الأوداج ولا يبلغ به النخاع وهو العرق الأبيض الذي يكون في عظم الرقبة ولا بيان الرأس ولو فعل ذلك يكره؛ لما فيه من زيادة إيلام من غير حاجة إليها. وفي الحديث: «ألا لا تنخعوا الذبيحة», والنخع القتل الشديد حتى يبلغ النخاع.
لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته". فالذبح له آداب ينبغي على المسلم مراعاتها، ومن هذه الآداب التي تدل على عظمة هذا الدين، أنه حث على راحة الحيوان المذبوح قدر المستطاع، فيستحب أن يحد الذابح شفرته قبل الذبح، ويكره الذبح بآلة كالّة لما في ذلك من تعذيب للحيوان، كما يكره أن تحد السكين أمام الذبيحة، ويكره أن تذبح الذبيحة أمام أخرى، كما يندب تقديم الماء للحيوان قبل ذبحه، ويندب إمرار السكين على الذبيحة برفق ذهاباً وإياباً، فهذا من الإحسان الذي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا فالأحاديث السابقة تشير إلي معجزة حقيقة في تحديد المقدار الواجب قطعه من رقبة الذبيحة حال الذبح, فقد نهي النبي صلي الله عليه و سلم عن الذبح السطحي الذي لا يفري الأوداج, و سماه شريطة الشيطان, كما نهي عن المبالغة في الذبح حتى يصل إلي النخاع, و حدد المطلوب بقوله (ما أنهر الدم), و بقوله (كل ما أفري الأوداج), و لم نراه أبدا صلي الله عليه و سلم يقطع رقبة و لم نسمع أبدا أنه صلي الله عليه و سلم أمر بقطع الرقبة.
وهذا التبيين الواضح من النبي صلي الله عليه و سلم علمناه اليوم بعد مرور ألف وأربعمائة عام على الأوامر الشرعية التي أمرنا بها الإسلام أفلا يدل هذا على أن ديننا الإسلامي الحنيف هو دين العلم وعلى أن ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو من عند خالق عليم خبير بأحوال وكل دقائق هذا الخلق؟! حيث نطق بها رجل أمي في زمن لم تتوفر فيه أي من وسائل البحث والتجارب اليوم. بل تجلت هذه المفاهيم اليوم في عصر العلم والنهضة والتقنية؛ فحري بنا أن نؤمن وقد قامت الحجة علينا بما لا يدع مجالاً للشك أو الريب من أن محمداً هو رسول الله وأنه مرسل من رب رحيم يريد من عباده أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً.
بعد هذا التوضيح العلمي والربط بين الفقه الإسلامي والشريعة والعلم أما يزال هناك شك في عدم جواز قطع الرقبة وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبيحة أن تفرس يعني أن تنخع قبل أن تموت".؟! فقطع الحبل الشوكي يعني وبكل بساطة إلغاء لمراد الشريعة الإسلامية و للإعجاز العلمي في الذبح الإسلامي و بدون دليل من قرآن أو سنة, فهل يتراجع من أجازها بخطأ غير مقصود عن فتواه؟! فلم يعد هناك شك في وجوب عدم قطع رقبة الذبيحة وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبيحة أن تفرس يعني أن تنخع قبل أن تموت".؟!

و قد يسأل سائل فما تقولون في من قطع الرقبة بطريق الخطأ (عن غير عمد), هل يجوز الأكل من ذبيحته أم لا؟
فأقول و بالله التوفيق هذا الأمر متروك لعلماء الشريعة الإسلامية لكي يدرسوه بعد الاطلاع علي ما سبق بيانه من أن الذبيحة قد تموت من صدمة قطع الحبل الشوكي و ليس من نزف الدم الذي يؤدي الي التذكية, كما أن الدم قد يحبس في جسد الذبيحة بنسبة كبيرة بسبب توقف التشنجات العضلية و توقف القلب عن النبض, و الله الموفق إلي ما فيه الخير.

* وجه الإعجاز:
لقد وفقنا الله تعالى في بيان موضع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لطريقة الذبح الإسلامية مستفيدين وموظفين مختلف العلوم الطبية والبشرية مثل علم التشريح وعلم الفسيولوجي وعلم الأعصاب وعلم التخدير ووظائف القلب وبيان الدورة الدموية وعملية التنفس وبينا المتطلبات التشريحية والفسيولوجية لتنقية اللحوم من دمها, كما قارنا بوجه علمي بين الطريقة الإسلامية في الذبح والطرق المختلفة والمتبعة في الغرب وبيان أهميتها في تنقية اللحوم من جهة ومن الرأفة بالحيوان من جهة أخرى. و قد حرصت علي بيان النقاط التالية:


1. أن طريقة الذبح حسب الشريعة تحدث صدمة نزفية Hemorrhagic Shock حيث يوجه السائل الدموي في الدورة الدموية إلى الخارج من خلال القطع الحادث والسريع للحلقوم والمريء و الودجين.
2. إن عملية الذبح الإسلامي هي عملية فعالة لجهة النزف المرغوب مع بقاء القلب نشيطا, مما يساعد في رفع كفاءة تفريغ الدم والحصول على نوعية عالية من اللحوم.
3. إن عملية الذبح الصحيحة وحسب الشريعة الإسلامية تحدث تخديرا مزيلا لألم الذبح والنزف وأسميناها Anesthesia وبالتالي فان الذبح الحلال في كل الأحوال هي أكثر إنسانية ورأفة بالحيوان.
4. إن عملية الذبح الصحيحة (الحلال) تحدث نزفا سريعا من الوهلة الأولى لعملية القطع وحتى توقف القلب عن النشاط وبالتالي فان فترة النزف تكون طويلة نسبيا مع نشاط القلب مما يتيح فرصة أكبر للتخلص من الكمية الكبرى للدم. وعكس ذلك ينتج مع إحداث الصدمة الكهربائية ففترة النزف تكون أقل مع ضعف نشاط القلب أو توقفه سريعا مع احتمال حدوث تفجر داخلي للأوردة والشرايين والشعيرات الدموية أي نزف داخلي وخروج الدم من مسار الدورة الدموية الطبيعية حيث تتسبب الصدمة في حدوث ما يسمى ب neurogenic shock بسبب تأثر النظام العصبي بها.
5. لا يتم قطع رأس الذبيحة وفصلها عن الجسم مباشرة إلا بعد أن يتم تفريغ الدم وهذا يسمح للنخاع الشوكي بمواصلة عمله في توصيل وتمرير الإشارات العصبية من الدماغ إلى الجسم.